نبضات وآراءنبضاتهم

حرب أكتوبر: نصر الله.. وخيبة الإخوان

مقال لـ ثروت الخرباوي

الذى أكتبه اليوم ليس انفعالاً ولا رغبة فى إثارة الجدل، بل هو شهادة أقولها كما عرفتها من وقائع وأحداث لا مجال لتكذيبها. إننا أمام حقيقة واضحة كالشمس، تجاهلها البعض طويلاً، وأخفاها آخرون عمداً، وهى أن جماعة الإخوان كانت تتمنى لمصر الهزيمة فى حرب السادس من أكتوبر عام 1973.

قد يبدو القول ثقيلاً على الأذن، لكن من يعرف تاريخ الجماعة وأفكارها لن يفاجأ به. فهؤلاء لم تكن مصر فى وجدانهم وطناً، بل كانت ساحة لمشروعهم. لم يعرفوا معنى أن تنتمى لبلدك، ولا أن تفرح لانتصاره أو تحزن لانكساره، بل كانوا دائماً يقيسون الأمور بميزان الجماعة لا بميزان الوطن.

ويكفى أن نعود إلى ما قاله قادتهم بعد نكسة يونيو 1967. حين انكسرت مصر، بعدها ربما بسنوات خرجت من أفواه الإخوان كلمات لم تعرف الحزن ولا الأسى، بل الفرح والشماتة، وقال بعضهم صراحة إنهم سجدوا لله شكراً لهزيمة الجيش المصرى، لأن مصر -كما زعموا- لا تطبق الشريعة. كانت الهزيمة عندهم نصراً من نوع آخر، لأنها أصابت النظام الذى يكرهونه، لا العدو الذى يكره مصر. ومن يتأمل تلك اللحظة سيدرك أن ما فعلوه فى يونيو 67 كرروه فى أكتوبر 73، ولكن بوجه آخر.

فحين عبر الجيش المصرى القناة، وتدفق الرجال من خنادق الصبر إلى ضفة المجد، لم يشعر الإخوان بنشوة النصر، بل بشىء من الغيظ المكتوم. لأن انتصاراً تحقق بغير رايتهم كان يعنى ببساطة أن الوطن قادر على أن ينتصر من دونهم. كانوا يريدون لمصر أن تنهزم كى تتهاوى مؤسساتها، وتضطرب شوارعها، وتُفتح لهم أبواب السلطة وسط الدخان والدماء. تلك كانت أمانيهم الدفينة التى لم يجرؤوا على إعلانها، لكنها تسربت من تصريحاتهم ومواقفهم وأقوالهم بعد ذلك بسنوات.

والأدهى من ذلك أنهم لم يكتفوا بتمنى الهزيمة، بل سعوا إلى صناعة تاريخ موازٍ يثبت أن الجماعة هى وحدها صانعة الأمجاد، وأن لمصر تاريخاً آخر كتبه رجالها لا يعرفه أحد. وهو ما أسموه بين أنفسهم «التاريخ البديل». كانوا يريدون أن يصنعوا ماضياً جديداً بأبطال وزعماء ينتمون إليهم وحدهم، وأن يطمسوا كل ما يربط مصر ببطولات لا تحمل توقيع الجماعة. لهذا لم يتحملوا فكرة أن يكون نصر أكتوبر المجيد نصراً مصرياً خالصاً.

وفى عام 1976، بعد ثلاث سنوات من الحرب، طلب بعض شباب الإخوان من مرشدهم آنذاك عمر التلمسانى أن ينشروا إعلان تهنئة للشعب المصرى بانتصار أكتوبر فى إحدى الصحف اليومية الكبرى. كان الطلب بسيطاً ومفهوماً، لكن رد التلمسانى جاء صادماً. قال لهم:

«أمركم غريب، إحنا مالنا ومال أكتوبر واللى حصل فى أكتوبر، انتوا مصدقين إن ده كان انتصار بجد؟ دى كانت تمثيلية. وبعدين هو إحنا شاركنا فى الحرب دى علشان نحتفل بيها؟! ده المثل البلدى بيقول: إردب ما هوش لك ما تحضرش كيله».

هكذا، بجملة واحدة، نفى الرجل كل مجد أكتوبر واعتبره تمثيلية. ولم تكن تلك زلة لسان، بل كانت عقيدة كاملة عند الإخوان. فكل ما لم يشاركوا فيه يصبح عندهم باطلاً، وكل نصر لا يحمل بصمتهم لا يُعترف به.

ولم يكن مصطفى مشهور -المرشد الأسبق- أقل غرابة. فقد كتب عام 1998 فى جريدة الشعب أنه كان وقت الحرب فى قريته بالسعديين، ولما سمع الناس يهللون ويكبرون لأن الجيش عبر القناة، قال لنفسه: «لا يمكن لبلد لا يطبق الشريعة أن يحقق انتصاراً» ثم أضاف أنه ما لبث أن تحقق ظنه بعد ثغرة الدفرسوار، معتبراً أن اليهود انتصروا علينا وأن قرار السادات بوقف إطلاق النار كان انسحاباً فى ثوب جديد.

ولم يخلُ الأمر من طرائف تفضح جهلهم. فالقيادى صبحى صالح قال فى حديث تليفزيونى إنه وقت حرب أكتوبر كان يتناول الغداء عند أحد أصدقائه. نسى الرجل أن الحرب كانت فى رمضان، وأن كل بيت كان صائماً يدعو بالنصر. ربما لم يكن يعرف، أو ربما لم يكن يعنيه.

ثم جاء عام 1981. الذكرى الثامنة لانتصار أكتوبر. يومها اغتالوا بطل ملحمة أكتوبر، الرئيس أنور السادات، فى العرض العسكرى نفسه الذى كان يحتفل بعبور القناة. اغتالوه وهم يظنون أنهم يعاقبونه على النصر، وكأن انتصار مصر جريمة.

ومضت السنوات، إلى أن جاء زمن تولوا فيه حكم مصر. ظن الناس أنهم سيتغيرون، لكنهم لم يفعلوا. فى احتفال أكتوبر الوحيد الذى أقاموه، جلسوا فى الصفوف الأولى إلى جوار قتلة السادات، وكأنهم لم يحتفلوا بالنصر بل بذكرى الاغتيال. كانت لحظة كشفت كل شىء: هؤلاء لا يرون فى أكتوبر ملحمة وطنية، بل حدث يُذكّرهم بالرجل الذى وقف أمام مشروعهم وكسره.

ولذلك، فى ذكرى السادس من أكتوبر كل عام، يحتفل المصريون بالنصر، أما الإخوان فيجلسون فى الظلام، يحسبون أنفاس الوطن، ويعدون على الناس أفراحهم، ثم يخرج أحد تابعيهم ليحدثنا عن خناجر الدفرسوار، أو عن وجبة غداء فى نهار الحرب.

هذا هو احتفالهم الحقيقى: غداء بارد على مائدة الكراهية، يشربون معه حسرة قديمة، ويأكلون معها أوهامهم بالعودة.

ومن يدعى أنه يحب مصر وهو ينتظر سقوطها، لا يستحق حتى أن يُكتب اسمه فى دفتره.

المصدر: الوطن

تنويه: المقالات المنشورة في تبويب “نبضاتهم” تمثل رأي كتّابها فقط وليس بالضرورة رأي موقع “نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى